عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

439

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « كَما أَنْشَأَكُمْ » فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر على غير المصدر ؛ لقوله : « ويستخلف » لأن معنى « يستخلف » : ينشئ . والثاني : أنها نعت مصدر محذوف ، تقديره : استخلافا مثل ما أنشأكم . وقوله : « مِنْ ذُرِّيَّةِ » متعلق ب « أنشأكم » وفي « من » هذه أوجه : أحدها : أنها لابتداء الغاية ، أي : ابتدأ إنشاءكم من ذرّيّة قوم . الثاني : أنّها تبعيضيّة ، قاله ابن عطيّة « 1 » . الثالث : بمعنى البدل ، قال الطبري وتبعه مكي بن أبي طالب : هي كقولك : « أخذت من ثوبي درهما » أي : بدله وعوضه ، وكون « من » بمعنى البدل قليل أو ممتنع ، وما ورد منه مؤوّل ؛ كقوله - تعالى - : لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً [ الزخرف : 60 ] أي : بدلكم . وقوله : [ الرجز ] 2316 - جارية لم تأكل المرقّقا * ولم تذق من البقول الفستقا « 2 » أي : بدل البقول ، والمعنى : من أولاد قوم متقدّمين أصلهم آدم . وقال الزّمخشري « 3 » : من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم ، وهم أهل سفينة نوح . وقرأ أبيّ بن كعب « 4 » : « ذرّيّة » بفتح الذّال ، وأبان بن عثمان : « ذريّة » بتخفيف الرّاء مكسورة ، ويروى عنه أيضا : « ذرية » . بزنة ضربة ، وقد تقدّم تحقيقه ، وقرأ زيد بن ثابت : « ذرّيّة » بكسر الذال ، قال الكسائي هما لغتان . قوله : « إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ » « ما » بمعنى الّذي وليست الكافّة ، و « توعدون » صلتها ، والعائد محذوف ، أي : إنّ ما توعدونه و « لآت » خبر مؤكّد باللّام . قال الحسن : « ما تُوعَدُونَ » من مجيء السّاعة ؛ لأنهم كانوا ينكرون الحشر « 5 » . وقيل : يحتمل الوعد والوعيد ، ولما ذكر الوعد ، جزم بكونه آتيا ، ولما ذكر الوعيد ، ما زاد على قوله : « وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ » وذلك يدلّ على أن جانب الرّحمة والإحسان غالب .

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 348 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 67 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 183 ، البحر المحيط 4 / 228 . ( 5 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 58 ) والرازي ( 13 / 166 ) .